المصدرية الخالدة المطلقة و المرجعية البائدة النسبية

بسم الله
المصدرية الخالدة المطلقة و المرجعية البائدة النسبية

خالد كبارة
مقدمة لازمة:
منذ نزول أبونا آدم على ظهر الأرض ومفارقته لداره الأصل لما نسي وعصى ربه (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزماً) طه-115، (قلنا إهبطوا منها جميعاُ فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) البقرة-38 (قال إهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى) طه-123، تعهد الله بتوجيهه عبر مسالك ودروب الحياة إلي سلوك المسار السليم الحق ليعود أدراجه إلى داره التي فارقها. هذا التوجيه والإرشاد لازم بنو البشر -ولازال وسيظل- إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها في شتى الصور، أقربها هي صورة الأنبياء والمرسلين رسخت هذه الصورة لأنها الأقرب لتصور الناس البسطاء بينما قول الحق: (إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) فاطر-24 أكثر شمولاً وأوسع نطاقاً وأبلغ دلالة.
(ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجرٌ عظيم) آل عمران-179
مقدمة إفتتاحية:
تعهد لنا خالقنا بحفظ كتابه المنزل الخاتم بصيغ متعددة وعامة: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر-9، وأكد أنه: (لا يـأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) فصلت-42 وأنهم –أي جميع الخلائق- لا يستطيعون الأتيان بسورة من مثله: (قل لئن إجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) الإسراء-88
ثم تعهد لنا: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً كبيراً) الإسراء-9 وأن: (من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا) طه-100 وأن: (…له معيشة ضنكاُ ونحشره يوم القيامة أعمى) طه-124
مقدمة تأسيسية:
كلمنا الله بأن كتابه الحكيم كامل تام وشامل منزه من أي نقص أو قصور(وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون) الأنعام-38 وأمر البشر تباعاً بالإعتصام به: (وإعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا…) آل عمران-103، وأمرنا بإقامته وعدم تبديله أو تغييره: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوارة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين) المائدة-68
المطلق والنسبي:
ا لله الخالق الباقي سرمدي أولٌ بلا بداية وآخرٌ بلا نهاية، فهو مطلق وعلمه محيط لا يتجزء ولا يتبعض وكلامه مطلق صالح لكل زمان ومكان يستوعب أفعال وأفكار المخلوقات. والتنزيل الحكيم نص مطلق من حيث أنه كلام المطلق وبصلاحه لكل زمان ومكان يتسع مفهومه ليشمل مجموعة كبيرة متنوعة من المفاهيم والأفكار البشرية التي تقارب الأحداث الواقعة والمتجددة.
والبشر –كل البشر- محدودون بحكم الخِلقة، وأعمالهم الفكرية والبدنية تتباين وتختلف بشكل نسبي كبير، فما يناسب مجموعة بشرية في مكان ما قد لا يناسب مجموعة أخرى، وما يستقيم به زمان قد لا يستقيم به بقية الأزمنة والبشر في كل ذلك مجبولون على التطلع إلى تحصيل الأفضل لهم في زمانهم والأنسب لهم في مكانهم. بمرور الوقت تتكون مجموعة من الأفكار والرؤى المقبولة والمتفق عليها بينهم بحكم الواقع المعيش وتتشكل بالتالي في أذهان الناس وتطفو إلى سطح المحيط الفكري منطومة فكرية تسود وتضبط إيقاع خطوات حركة المجتمع تلقاء تحقيق منافعه. هذه المنظومة الفكرية تنبني على -أول ما تنبي عليه هو- مجموع المعتقدات الراسخة عند المفكرين المشاركين في خلقها وتشكيلها.
لماذا علينا أن نتدبر قول الخالق؟
البشر مأمورون بتدبر كلام الله منذ المبتدأ، قال تعالى: (كتاب أنزلناه إليك مباركٌ لِيدبروا آياته وليتذكرَ أولو الألباب) ص-29 وقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) النساء-82. والتدبر إصطلاحاً هو التفكر والإمعان في النظر. وفعلاً هو أن تتأمله وتفكر فيه على مهلٍ وتنظر في عواقبه ومآلآتهِ. قال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها) محمد-24، ونبهنا تعالى إلى أن نعقل القرآن فقال: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقِلون) الزخرف-3.
بما أن الخالق متعهد بتوجيه مخلوقاته الى ما ينفعها ويضمن لها مصالحها، وبما أنه أنزل لنا توجيهاته الأساسية لهدايتنا لخيري الدنيا والآخرة في كُتبه التي جاءتنا تترى لتقودنا الى ما ينفعنا، وأخبرنا بأن كتابه الخاتم كامل شامل باقٍ لم يفرط فيه من شيء نافعٌ لنا، ولم يترك حفظ هذا الكتاب الخاتم لبنو البشر وإنما تعهد هو –تعالى- بحفظه وضمِن لنا الهداية إن تبعناه عبر التدبر الذي أمرنا به ومنحنا آلته -القلب حيث العقل- لنكون على بينة، وبما أنه –الكتاب الحكيم- باقٍ مع البشر إلى يوم البعث، وبما أن منتوج فعل التدبر البشري نسبي محدود في كلام الله الخالق المطلق الكامل فإن إعادة تأسيس قواعد التفكر والتدبر تٌصبِح ضرورية لازمة لإزالة لباس القدسية الذي تقمصه الناتج البشري النسبي لأمرالتدبر الإلهي المطلق.
ما نصدر منه هو القرآن الكريم. فنصه المطلق مصدريتنا الخالدة المحفوطة الصالحة لكل زمان ومكان، وإعمال الفكر تدبراً فيها ومحاولة مقاربة إبتلاءات الواقع عبرها ينتج لنا كم كبير من الأفكار والرؤى يصمد فيها الأصح وينزوي طي النسيان غيره. بتتابع الأزمان عقب رحيل المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم تشكل معنا كم كبير وهائل من منتجات التدبر الفكرية البشرية مُشكلاً لنا ما نُطلق عليه مسمى المرجعية.
نحن هنا بصدد تناول هذا الأساس –المصدرية- الضابط لحركة الفكر ومنتجه المتجدد والخطط التالي يوضح مجمل الفكرة التي نعمل على شرحها بإيجاز.

مخطط -1: المصدرية والمرجعية

إن المسلمين يصدرون من معين صافٍ مقدس ونبع دائم لا ينقصي ولا يخلق ومأمورون بإعمال فكرهم في نص القرآن المحفوظ والدائم. وبمرور الأيام وإزدياد نواتج التفكر في النص القرآني المقدس المطلق تتشكل أسس منظومة فكرية تسود بين الناس، وبتكاثف منتجها الذي يُقارب تحديات وإبتلاءات البشر اليومية ولسهولة فهمها وعدم حاجة الناس لإعمال فكرهم فيها تُصبح تلكم المنتجات الفكرية مقدسة ومرجعية قريبة وسهلة المنال للعوام حيث لا حاجة لقدح الأذهان وإنما كل المطلوب هو الإختيار من بين كم هائل متاح ومتراكم -قد لا يُطابق الواقع تماماً لكن- يُمكن تعديله وتحويره ليتماشى مع ما يواجهه المرء في واقعه المعيش. وبذا تُصبح مهمة تدبر القرآن و إستنطاق النص المقدس المطلق بعيدة ويحفها الكثير من العنت، هذا بخلاف أن المواصفات والإشتراطات اللازمة التي صاغتها ضوابط المنظومة الفكرية السائدة لمن يريد التدبر كثيرة متنوعة لا تتوفر للكثيرين بل وجعلته عالماً متخصصاً في شئون الفقه الديني (الفهم الديني) الشيء الذي حصر عدد وحدد نوعية من له الحق في إرتكاب فعل التدبر هذا المأمورون به بنص المقدس.

بتجلية مفهوم المصدرية هذا وتحديد موقع مفهوم المرجعية من النص المقدس المطلق تتضح عظمة النص وجماله وروعته ومدى إتساعه ليستوعب كل محدث وجديد في دنيا البشر ليُؤكد صلاحه لكل زمان ومكان. وبنفس القدر يوضح أن المرجعية كمنتج بشري صرف لا تنال أي قدسية مهما كانت إلا بقدر تماهيها مع جوهر النص المقدس. وبقدر هذا الوضوح تصعد إلى السطح الكثير من التساؤلات المشروعة واللازم الإجابة عليها حول الكثير من (الثوابت) القديمة وإلى أي مدى تظل ثابتة في دنياً غير ثابتة -بل أصلها التغيير والتبديل- مثل:-

– أليس الرُسل بشر وتطبيقهم للنص المطلق على أرض الواقع هو فعل بشري نسبي؟
– أين تتموضع السنة النبوية من أُسس المنظومة الفكرية الجديدة التي تتشكل الأن؟
– كيف تكون السنة النبوية شارحةً وموضحةً لما هو كامل و واضح ولا لبس فيه؟
– هل تتغير مفاهيم كُنا نحسبها من الثوابت قديماً إن سمح فضاء النص المطلق بفهم جديد كلياً؟
– ماذا إن إتسع النص المطلق لمعاني وتحمل تطبيقات ما جاءت عن المصطفى عليه السلام؟
– هل نُجرد السنة النبوية من قدسيتها؟ وهل هي أصلاً مقدسة بكل معنى الكلمة؟

بعض هذه الموضوعات وغيرها قد نتناولها في مقبل الأصدارات بعون الله وتوفيقه… و
قـــد نــعـــــــــود