تفسيره ريبٌ

بقلم   فتوى احمد الحمري

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسيره ريبٌ.

(الجزء1)

القرآن، ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه ولا خطأ، ولا يشوبه نقص فيحتاج لتتميم. هو الوحي المنزل الذي أخلص رسول على خلق عظيم في تبليغه، الذكر الذي كفل ذو الجلال حفظه، وإن تنازع الفضل كلّ متناقليه.

كتاب هو الحجر الأساس الذي يقوم عليه البناء الإسلامي الشاهق، ونظرا لأهميته لا بد وأن يطلع عليه كل مسلم، والحمد لحافظه هو كتاب متاح للجميع.

وبالقراءة تبدأ رحلة البحث عن تفسيرات للنصوص المقدسة العظيمة، فما أن يقرأ المرء آيات يسيرة حتى تتبلور حاجته لمن يشرح الكلمات المبهمة ويبسط ما وراء العبارات البليغة. هنا بدل ان يستعين بمعجم، غالبا ما يفضل التوجه للتفسيرات الجاهزة المتناقلة، وهي في الحقيقة متاهة ضخمة تبتلع العقل، مجملها تأويلات ترتكز على المتوارث من السنة النبوية وأسباب النزول، بل وفي أحيان كثيرة تكون على ضوء مرويات تعج بالأكاذيب والإشاعات والاسرائيليات المشكوك في ناقليها ونواياهم، ويصبح كلّ ذلك تفسيرا لكتاب لا ريب فيه!

لا بأس في وجود تلك التأويلات لو لم تكن محاولة الخروج عنها تكاد تصنف جريمة شنعاء، فإن كان الباحث مسلما، قد يخرجه خروجه عنها من الملّة.

أمّا إن كان غير مسلم، فاجتهاده لا بد وأن يوضع تحت مسمى “المشروع الفرانكوصهيو أمريكي” لتضليل المسلمين والقضاء على الدين الصحيح!

فلنعد للمسلم الذي ينشأ على تبجيل القرآن وحامليه، ويتعلمه في سن الطفولة، ويُحتفى به من القاصي والداني حين يحفظه عن ظهر قلب. ذلك المسلم الطيب النية الصادق الايمان الساذجه، يعود بعد أن يشبّ وينضج فكره قليلا ليكتشف أنه يستظهر عشرات السور ولا يفقه معنى معظمها، فيسعى للفهم والاستيعاب.

اذا اكتفى بالتفسيرات الجاهزة وهي متعددة متنوعة متناقضة، كان اجتهاده محمودا، أما إذا سولت له نفسه محاولة الخروج عنها فسيسمى سعيه جرأة مذمومة، اذا لم يسمى كفرا بواحا!

فقد ظلت وعبر أجيال كلّ المحاولات لقراءة القرآن قراءة معاصرة تصطدم بالمدرسة التقليدية الثراثية المتشددة. فتجد على سبيل المثال لا الحصر: تفسيرات الدكتور محمد شحرور المستنيرة المتسامحة، تقابلها تفسيرات الداعية ذائع الصيت الشيخ متولي الشعراوي وما تعوم فيه من تطرف، وهي نابعة في أحيان كثيرة من علم واسع بأخبار السلف وجهل مقيت بعلوم العصر.

والرجلان يفسران الكتاب عينه وربما الآية نفسها! وقد يجد أحدهم في ذلك وجه من أوجه التعجيز القرآني الذي يسعى وراءه قوم كثيرون ممن لا يجد التنزيل نفسه معجزا بشكل كافي!

واليوم وقد غزت الحداثة الحياة الإجتماعية، وتعرت أكاذيب كثيرة، وانهارت أساطير عديدة،  وأصبحت الأراء تطرح وتناقش، وأصبح العلم في متناول الجميع؛ بنقرة تستطيع معرفة حتى ما لم تكن تعلم أنك جاهله.

وبالطبع في ظل الثورة الرقمية ظهرت على الشبكة العنكبوتية مجموعة ضخمة من المواقع المهتمة بالقرآن، وكل ما يعنيه من تفسيرات، وتاويلات، وقراءات، بختم جودة السلف.

في هذه المواقع يروج للقرآن الكريم باعتباره الكتاب الأكثر قدسية، لا الكتاب الوحيد كما يفترض به. فلتاويل آياته البينات وضعوا كتبا محددة ليستند عليها من يبحث عن تفسير، ما اكسبها مصداقية بل وقدسية أوشكت أن تفوق قداسة القرآن، وأصبح الإعتماد عليها واجب والرجوع إليها ملزم، وأُختُصِر بذلك دور النص السماوي في قواعد التجويد، واختلاف القراءات.

وأضحى قارئ القرآن إما مجوّدا، أو مرتلا، أو مرددا، وضاع الأمر الرباني بالتفكر بين تأويلات تفتقر في الغالب إلى المنطق، وتلغي العقل، وتناقض الحقائق العلمية المثبتة.

تأويلات كتبت في عصور بائدة، ومرت عبر قصور الخلفاء والحكام  باختلاف مذاهبهم، ومرائبهم،  وقد نشأ معظمها تحت عين سياسية واقتصادية اجتهدت في التفصيل والترقيع.

فمتى نفقه بعقولنا ما بين أيدينا من ذكر؟ فهما علميا لا خرافة فيه، على ضوء أصول اللغة لا فقه المرويات، متى نستعين بما سبقه من ثوراة وانجيل في بناء تصور ملائم لما نعيشه اليوم؟

نحن بأمسّ الحاجة لطرح كلّ التأويلات التاريخية الثراثية جانبا والبدأ من جديد. وقد يتساءل متسائل عن جدوى غض الطرف عن قرون مضت والانطلاق من الصفر؟ وعم سيجنيه المسلمون من وراء ذلك؟

والإجابة على ذلك قد تطول، لكن عرض بعض الإشكاليات التي أوقعتنا فيها التأويلات الجاهزة،(والتي من الممكن أن تُحلّ بمنتهى البساطة ما أن يُقرأ القرآن قراءة معاصرة علمية بالرجوع الى المعاجم فقط) سيعطي فكرة واضحة عن الفائدة التي ستعم الأرض، وسنعود للحديث عن كل نقطة على حدة في مقالات لاحقة:

1_ قضية النسخ في القرآن، وما يترتب عليها من مصائب واختلافات.

2 الردة وترك الصلاة، والرجم، وغيرها مما يستوجب حد القتل.

3 حرية المعتقد، والجزية، وأهل الذمة وغيرها مما يخص اختلاف النحل.

4الرق والسبي وكل ما يترتب عليه من أحكام تخص مسلوبي الحرية.

5الجهاد شروطه وأحكامه، ومتاهاته..

6 المرأة وكل ما يعنيها بدءا من زواج القاصرات، إلى الضرب، والقوامة، والميراث، وقبل كل ذلك الحجاب!

 

كل تلك النقاط السوداء ستتلاشى بمجرد أن يتطور فهمنا للكتاب، وقد توقفت العقول منذ قرون عن اعادة التفسير، أوليس القرأن قابلا للفهم عبر العصور؟ وهو حمال أوجه فيتواءم مع الأزمنة؟

فكيف لا نعيد التأويل بعقل متحرر، وبعين عصرية لنخرج بدين سلمٍ ندخل فيه كافة؟

 

فتوى الحمري.