نقد الفكر الديني : من الإعتقادي إلى الانتقادي

نقد الفكر الديني : من الإعتقادي إلى الانتقادي
بقلم د. عبدالله صالح سفيان
 نثمِّن ونعزِّز انطلاقة تأسيس مشروع (مركز مكافحة التطرف) الذي استثمر القِرَان الحداثي الاسطوري بين ثورة المعلوماتيَّة وثروة المعلوميَّات ليشق طريقا في الحوار الممكن تنزيله والترويج له على درب البحث والفحص عن وفي هويَّة ومسارات وتداعيات التطرف؛ الذي أضحى بمثابة معلمة من معالم النصف الثاني من قرن مضى… وتحتدم تداعياته وتترى ثم تتشكَّل … في مشهد القرن الحالى ✍🏼
# صدَّر د.صادق جلال العظم كتابه المصادم (نقد الفكر الديني – دار الطليعة بيروت – الطبعة السابعة 1994م) بمقدمة فاقِعٌ لونها حين كتب موضحا أن هذه ” أبحاث تتصدَّى … بالنقد العلمي والمناقشة  العلمانية والمراجعة العصرية لبعض نواحي الفكر الديني السائد حاليا… في الوطن العربي”… ويضع الكاتب الايديولوجيا الغيبية والذهنية الدينية  رديفا للفكر الديني على مستوى الإنتاج والممارسة…. في مقابل ” الفكر العلمي التحليلي”. ويؤكد – بمنتهى الوثوقية – أنه سيقوم بنقد  هذه الذهنية الغيبية – باعتبارها احد أسلحة الرجعية العربية – على أساس من المراجعة العقلانية العلمية المباشرة لنماذج حية وملموسة من إنتاجها ومزاعمها وتأثيراتها للاحداث.
# انتهز الكاتب فرصة هزيمة/نكسة حرب يونيو 1967م ضد العدو الصهيوني ليتخذ منها جسرا سياسيا وفكريا وإعلاميا لتقديم نماذج حية من وقائع وأحداث اجتماعية متفاوتة في  المجتمعين المسلم والقبطي بمصر على إيقاع وضوء الهزيمة حين اتخذت بعض الأنظمة العربية من الحالة السياسية ديماغوحية فعالة في تعزية الجماهير وتسكينها في ما يتعلق بنتائج الهزيمة وأبعادها والرد عليها “.
# و في مستوى اشمل واعلى يتوسع الكاتب في الزعم بأن الفكر الديني قد تم توظيفه ليلعب دور السلاح النظري عن طريق تزييف الواقع وتزوير الوعي حول حقيقة علاقة الدين الإسلامي بالعلم الحديث واستطرادا على مستوى العلاقات بين الدول وتزييف حقيقة الصراع الاجتماعي القائم في الوطن العربي بين قوى اجتماعية  أوثورية صاعدة وقوى رجعية معطلة…
# يتضح من القراءة الفاحصة للمقدمة أن الكاتب قد فتح/أطلق  النار على أكثر من جبهة : حركة التحرر العربي نقادا وكتابا / رجال الدين الإسلامي والمسيحي/الأنظمة الرجعية العربية/منظمة المؤتمر الإسلامي…
# استهل الكاتب الفصل الأول من الكتاب بالحديث عن”الثقافة العلمية وبؤس الفكر الديني”  حيث يقرأ اللحظة و الراهن على ضوء التطور وحركة النهضة الأوربية الإنسانية والانقلاب العلمي والثقافي  الشامل  والتحول الصناعي والاشتراكي الجذري… وخاصة بعد صدور وسيادة مشروع كتاب ( رأس المال) وكتاب (اصل الأنواع ) وفيزياء نيوتن وغيرها من المنجزات … كدليل على اتساع الهوَّة بين العلم والدين…
# لنسجِّل هنا ملاحظة أولى : أن الكاتب قد عبر مرورا سريعا على إشكاليات فلسفية عميقة الغور في مجال الانطولوجيا و تحديدا إشكالية خلق الكون التي تناولتها الأديان السماوية  الثلاثة الكبرى بعد هضم وإعادة نقد مواقف ومنجز  الفكر الفلسفي اليوناني… ولا شك ان المرور العاجل قد أوقع الكاتب في أشكال والوان من الانتقائية/القصدية المنهجية التي انتهى بها وغيرها إلى تنشيط واستخلاص مطلوباته و… المصادرة عليها… رغم التوسل بالمنهج العلمي التاريخي النقدي.
# ولنسجل هنا أيضا  على سبيل التمهيد لنقد النقد : غياب أو تغييب اجتهادات ومواقف نخبة الفلاسفة الإسلاميين : الفارابي- ابن سينا- وابن رشد بصفة أخص: حول إشكالية التوفيق أو – بدقة – التمييز بين الدين والفلسفة التي سال بها وفيها مداد كثير واجتهاد وسيع….
# عرَّج الكاتب بوعي قصدي منهجي صارم في طرحه لقضية خلْقَ العالم لينعطف نحو تصفية حسابه مع الوعي الديني أو العقيدة في عمقها الذاتي… وقد اعتمد شهادات نصية للفيلسوف برتراند راسل ثم نيتشه  وغيرهم ليخلَصَ إلى طرح فكرة/نداء “موت الإله “في التفكير الوجودي الأوربي الحديث…
# في فصل آخر أفرد الكاتب بحثا جدليا طريفا حولة( مأساة إبليس) ؛ وقد اتخذ من طرح إشكالية الاسطورة بعامة  والأساطير اليونانية خاصة … جسرا وسيعا لتقديم بحث مطول حول شخصية ومقام ومقال إبليس في القرآن وخاصة بعدما تمسك – إبليس- بعدم السجود للإنسان استنادا منطقيا و زعما انطولوجيا منه على حجة الغيريَّة والخيريَّة التي استند عليها د.العظم في بيان وتفسير مواقفه السياسوية الفكرية/ الثورية  من قضية عقَديَّة …
# في فصل تال يقدم الكاتب نقدا تحليلية ل ” معجزة ظهور العذراء وتصفية آثار العدوان ” في احدى الكنائس المصرية عام 1968م. واعتبر تزكية بابا الأقباط الأمر بمثابة نوع من الديماغوجيا  الخرافية و الهوس الديني الدال على التخلف والرجعية؛  وخاصة بعدما اقحمت فيها استنتاجات واعتبارات رسمية وسياسية واعلامية وسياحية… وعلى الأخص  بعدما نشرت صحيفة الأهرام العريقة عنوانا بالبنط العريض :”ظهور العذراء يشير بأن الله سيكون في نصرتنا وأن السماء لم تتخلَّ عنا”!!!
#عزز الكاتب مواقفه بنشر بحث مضاف عن ” التزييف في الفكر المسيحي الغربي المعاصر” خصصه لنقد اللاهوتيين الميسحيين وآخر بعنوان   ” مدخل إلى التصور العلمي- المادي للكون وتطوره ” خصصه  للتركيز على قوة تعليلات العلم المعاصر في مواجهة الغيبيات…
# منهجيا ومفاهيميا لم يقدم العظم تحديدا أو تفسيرا لكم وكيف أو حالة العقل الديني المستهدف بالنقد في متن كتابه… وقد يرجع ذلك  إلى  سخونة وسيلان الأحداث المتلاحقة من فوقه ومن تحته … والتي  أخذته إلى مواقف ومواقع متعددة اكتفى منها وفيها بانتقاء وتقديم  ما يخدم العنوان الصارخ/الصدام للكتاب الذي جمع بين العرض الإعلامي المتاح في المحاضرات العامة؛  والنقد المؤَدْلَج المٌزنَّر بالأيديولوجيا  والنشر العاجل لتسجيل موقف من هواجس وروح العصر.
# عمد ناشر دار الطليعة بسير الداعوق في ملحق خاص الكتاب على نشر نصوص وثائق من محاكمة المؤلف والناشر معا في محكمة بيروت عام 1969م  بدعوى “التحريض على إثارة النعرات الطائفية ” … و التجريح والتشكيك في المعتقدات الدينية في كتابه ( نقد الفكر الديني ).
# قضت محكمة المطبوعات في بيروت عام 1970م بإبطال التعقبات الجارية في حق المدعى عليهما :؛الكاتب والناشر  لأن الدستور اللبناني يكفل  حرية الرأي والفكر والمعتقد….✍🏼
# لقد اجتهد العظم – ولكل مجتهد نصيب  – في تحرِّي النقد المنهجي من منظوره السياسوي/الفكري المٌنْدَغِم في حَمْأَة نعرات التحرر العربي في أواخر الستينيات… وانتهى إلى بموقفه إلى  انتصار قوي لحرية الفكر العربي في نقد تزييف الفكر الديني في قلب بيروت التي كانت وما وزالت قلعة من قلاع  الفكر والتنوير والتحرر العربي…
# ولكن :
1/ بما انه لكل فعل رد فعل مضاد له في القوة  معادل له في  في الاتجاه…فإن النزعة التهكمية السَّافرة التي خلص منها الكاتب  إلى جنْدَلَة  الفكر الغيبي الديني بصفة عامة والاصولي بصفة خاصة قد أسفرت عن تجمع وتجمع الاسلاموبين في منتصف السبعينيات لاطلاق مشروع الصحوة الإسلامية وتيار اليسار الإسلامي … مستفيدين من انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية من جهة ومن الدعوة للجهاد الفلسطيني  ضد الصهيونية الإسرائيلية.
2/انتشرت بل انداحت الصحوة الإسلامية لتلتقي مع الانقلاب العسكري  للإسلامويين على الحكم المدني  الديمقراطي في السودان بتخطيط جهنمي من الراحل حسن الترابي والذي من  تحت معطفه خرجت حزمة جماعات وتيارات  اسلاموية متطرفة إقليميا ودوليا…
# لجأ تيار تحرري من التقدمين القوميين  العرب إلى خلق شكل من أشكال التواصل مع الإسلاميين بمبادرة ورعاية  من مركز دراسات الوحدة العربية تبلورت في تنظيم لقاءات ومؤتمرات راتبة…أسفرت عن بيانات ومواقف نضالية قوية وكتابية متباعدة حبل بريقها ثم… انفردت الحركات الإسلامية بالتطرف وأستفرد بعضها بالسلطة والمال وسيطر سلبيا على الإعلام العالمي/العولمي الذي دمغها بالتطرف والإرهاب…
# مفاهيميا ومنهجيا : لم يحدد صادق العظم مفهوم العقل الديني أو الإسلامي كما لم يحدد – بدقة – أدواته المنهجية/التفكيكية التي تقدم بها ومنها وفيها للقيام بهذا البحث الثوري الذي به تصدى بالنقد العلمي والمناقشة العلمانية لفحص ومعالجة هذه  الذهنية الدينية والايديولوجيا الغيبية…وربما يرجع هذا القصور أو التقصير إلى انغماسه الحماسي في حمأة الكتابة الدفاعية عن مواقفه في خضم الهوجة السياسوية /الإعلامية التي واكبت النكسة/الهزيمة العربية وتداعياتها الدينية والدنيوية….
# تجاوز استاذنا الراحل د.محمد عابد الجابري – وتجاوزت معه منهجيا وفكريا وسياسيا الأكاديميا المغربية خاصة والمغاربية عامة –  نهج وأسلوب صادق العظم الهجومي التشكيكي لتشتغل بهدوء مُلْقِحٍ ومُنْتجٍ على خلق أجواء تمييز وتمايز بنهج رشدي وخلدوني عقلاني مستنير؛ ساهم في التجسير لنهضة مجتمعية راشدة حَقَنَتْ ونهضت بالتجارب الديمقراطية والوحدة الوطنية…وهو عيْنُ ما تفتقده مصر التي رزَحَت  تحت معاول النقد التفيكيكي المؤدلج  الذي كرسه العظم واضرابه من الكتاب؛ فساهم في توسيع التطرف الديني والنزعات الاصولية المضادة في مصر وبعض بلدان المشرق العربي… وانتهى إلى تفريخ حزم متنافرة من الجماعات الإسلامية المتطرفة منها والمسلحة .
# بالمقابل وفي نفس الإطار كرَّس التطرف الإسلاموي صورا نمطية مبتذلة وتداعيات سياسوية/مجتمعية ساهمت بدورها في توسيع وتجذير مساحات الإسلاموفوبيا في الغرب(للتوسع انظر كتابي : حوار الحضارات – تحليل نقدي لظاهرة الإسلاموفوبيا- الطبعة الثانية الخرطوم ٢٠٠٥م).
# ويلحق بما سبق من تداعيات سلبية تراجع خطوط وجبهات المقاومة ضد التطرف الصهيوني وتمدد الطغيان والغطرسة الإسرائيلية بسبب من انشغال الأنظمة العربية والإسلامية بمواجهة التطرف والحركات المسلحة  .
# استفردت الحركة الإسلامية بالسودان : الإنسان و المجتمع والدولة بمواردها الخرافية  بعدما امتطت صهوة حصان الإنقاذ فساهمت في احتضان وتغذية وتفريخ الأصولية والتطرف والنزعات الظلامية الرجعية والفساد المالي والإداري الذي كان وما يزال وقد يظل المجتمع السوداني مثقلا بعقابيله في مستقبل سنوات هذه الألفية….
# أكاديميا استفادت الجماعات الإسلامية من نقد د.صادق العظم واضرابه من جهة كما استفادت الحركة الإسلامية السودانية من النقد الأكاديمي الممنهج الذي وجهه لها د.حيدر إبراهيم في كتابه(نقد الإسلام السياسي- الجبهة القومية الإسلامية السودانية نموذجا ) وذلك حين استلمت الكتاب و وظفته بمنطق : رحم الله امريء اهدى إلى عيوبي… فخصصت له نخبة من الباحثين الذين استفادوا من الحوار المنهجي/الحركي الذي أشار اليه ومن حزمة الانتقادات التي حصرها باجتهاد في منهج سوسيو-ثقافي…ليخلصوا منه الى اعادة النظر في خطواتهم ومثالبهم التي احصاها وحصرها وقدمها لهم على طبق من ذهب….
# لقد نجح صادق جلال العظم في فتح الطريق أمام نخبة من الباحثين النقاد في مجال تفكيك النص والتطرف والايديولوحيات الاسلاموية … ولكنه فتح الباب واسعا…بل وسيعا جدا لمواجهة النقد بالتطرف  الذي تحول الى أشكال من التكفير او اغتيالات رمزية كانت أم فعلية طالت كل من : حسين مروة ومحمود محمد طه ونجيب محفوظ ونصر حامد أبو زيد و….
# التطرف مهما وكيفما هو موقف أو رأي يحتمل-  بالتقابل المنطقي –  رأيا آخر قابل للنفي   أو الاقناع أو الإثبات….ضمن هذا الإطار الواسع… ومن منظور الاستنارة والعقلانية المنشودة لدينا….ينفتح باب الاجتهاد والحوار ..