الحرب على الإرهاب وحقوق الإنسان: معادلة صعبة !

الحرب على الإرهاب وحقوق الإنسان: معادلة صعبة !
سعيد ناشيد

يضع الإرهاب العالمي دول العالم كافة أمام معادلة صعبة، رهان شائك، وتحدٍّ كبير:
كيف نتمكن من الانخراط في الحرب على الإرهاب بالجدية المرجوة والحزم المطلوب، ونتمكن بالتالي من القضاء على قوى الفوضى والفتنة والدمار في المنطقة، لكن من دون أن نفرط في مقتضيات دولة الحق والقانون، ومن دون أن نخرق المعايير الدولية لحقوق الإنسان؟
يبدو السؤال بالغ الأهمية في الحقل السياسي الراهن، لا سيما حين تعود بنا الذاكرة -على سبل المثال- إلى أثر تداعيات اعتداءات الحادي عشر من شتنبر على جودة الديمقراطية داخل بلد الانتخابات الديمقراطية والحريات الفردية في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، ولو لبعض الوقت، وذلك من خلال الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها حكومة جورج والكر بوش، والتي دفعت بكثير من المثقفين الأمريكيين البارزين إلى وضع أياديهم على قلوبهم خشية أن تسقط أمريكا في براثن نظام حكم شمولي جديد، على منوال الأنظمة الشمولية التي كادت تبتلع أوروبا في أواسط القرن العشرين (النازية، الفاشية، الستالينية، إلخ). فضلا عن ذلك كله يمثل الاستبداد شبحا ملازما للديمقراطية، وفق رؤية أفلاطون، وتجارب القرن العشرين.
عقب اعتداءات الحادي عشر من شتنبر تدهورت جودة الديمقراطية في أمريكا بنحو سريع ومريع. على أننا لا ننوي الوقوف عند مآسي غوانتانامو وأبو غريب تحديدا، بل نقصد الإشارة إلى عديد من القوانين التي صدرت وقتها، والتي مست بجودة الحريات الشخصية للمواطنين الأمريكيين، بدعوى الحرب على الإرهاب، من قبيل قانون باتريوت سيئ الذكر على سبيل الذكر.
المعضلة أن الحرب على الإرهاب هي حرب أوّلاً، حرب بالأسلحة الخفيفة أحيانا وبالأسلحة الثقيلة أحيانا أخرى، حرب فرضها الإرهابيون بكل تأكيد، لكنها حرب في الحساب الأخير. ومن دون شك، في زمن الحرب تتغير كثير من المعطيات الحقوقية والمعايير الأخلاقية، لكن المؤكد أيضا أن روح الحداثة تتجه نحو حماية أكبر قدر ممكن من الكرامة الإنسانية في كل الأوقات، بما فيها لحظات اشتعال الحروب واشتداد القتال، ولأجل ذلك تمت صياغة مفهوم “جرائم الحرب” باعتباره من المفاهيم المحدثة في قاموس الخطاب التشريعي والأخلاقي المعاصر.
لعل التحدي مطروح على العالم بأسره، لكنه مطروح بدرجة أكبر على مجتمعات العالم الإسلامي، لا سيما منها تلك المجتمعات التي تجد نفسها على خطوط التماس مع كتائب الفتنة والإرهاب.
طبعا، في غياب ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، قد نصادف هنا أو هناك من يرفع شعار حقوق الإنسان لمجرد المزايدة والابتزاز. على سبيل المثال، يسهل على المتطرفين أن يتدرعوا بحقوق الإنسان لفرض معاييرهم القروسطية حول المرأة والجسد والإبداع، لا سيما بعد أن استبدلوا الحريات الجوهرية الأساسية والمتعلقة بالتنمية، المساواة، المشاركة السياسية، ونحو ذلك، بحريات مظهرية شكلية من قبيل حرية الحجاب، حرية النقاب، حرية البرقع، حرية البوركيني، حرية إغلاق الشوارع لصلاة الجماعة مع مكبرات الصوت التي تصدع طيلة الصلاة، وما إلى ذلك من الحريات الصورية. غير أن المزايدين بالتدين المظهري يغفلون أن حقوق الإنسان نسق متكامل، غايته الأساسية أن يكون المواطن عنصرا فعالا في تحقيق التنمية البشرية بأبعادها الإقتصادية والإجتماعية والسياسية. إن أساس حقوق الإنسان هو الإنسان باعتباره شخصا، ذاتا واعية بذاتها ومستقلة عن وصاية الجماعة، ليس فقط حين يتعلق الأمر بالجماعة التي قد يكون الفرد هاجر إليها طلبا للأمن أو الرخاء، وهذا سهل ويسير، بل حين يتعلق الأمر بالجماعة التي ينتمي إليها الفرد بحكم الولادة أو التنشئة.
يتعلق الأمر بحقوق كونية مشتركة بين الذوات العاقلة كافة، ولا تتضمن أي خصوصيات جماعاتيه كيفما كان نوعها. لذلك ليس مستغربا أن تمثل كلمة الشخص مفهوما محوريا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ذلك أن الشخص باعتباره ذاتا واعية بذاتها فهو قادر على الاحتكام للأوامر الصادرة عن ضميره الأخلاقي الخالص، أو هكذا يفترض، وذلك بعد أن تكون المدرسة قد لعبت دورها في هذا الشأن، فضلا عن سائر مؤسسات التنشئة الاجتماعية، وهنا مربط الفرس.
عودة إلى السؤال، كيف يمكننا التوفيق بين متطلبات الحرب على الإرهاب ومعايير حقوق الإنسان؟
يقال، السؤال الجيد هو نصف الجواب. لذلك نحتاج إلى صياغة جيدة للسؤال:
كيف يمكن للدولة أن توازن بين القوة التي لها والحق الذي عليها، بين الأمن الذي تحميه والحرية التي تضمنها، بين هيبة الدولة وكرامة الإنسان؟
يجب أن ننطلق بكل تواضع من أن الإجابة الكافية عن السؤال غير متوفرة الآن، أو ليس بعد، لكن رغم ذلك كله ثمة شيء مؤكد، وعلينا التمسك به بقوة، ذلك أن روح العصر تتجه فعليا نحو كسب رهان الإجابة عن السؤال، ولو بالتعايش مع قدر كبير من التعثرات والإخفاقات.
لقد كانت تداعيات اعتداءات الحادي عشر من شتنبر فرصة لنقاش لا يزال يعتمل داخل الفكر السياسي الغربي: كيف يمكننا القضاء على الإرهاب دون القضاء على الحريات الشخصية والدينية؟
هنا يتعلق الأمر بالتفاصيل، بل يتعلق الأمر بتفاصيل التفاصيل، من قبيل نوع التدابير الأمنية، والإجراءات الاستخباراتية، والمساطر القانونية والقضائية، ومناهج المدرسة، وبرامج الإعلام، إلخ، لكننا فوق ذلك كله نحتاج إلى تعبئة مجتمعاتنا لاكتساب أكبر قدر ممكن من الشفافية والانفتاح والقدرة على إدارة النقاش العمومي، مع ما يتطلب ذلك من تقويض لقيم التقية والتوجس والكتمان؛ ذلك أن المجتمعات المغلقة من طبيعتها أن تمثل بيئات حاضنة لمختلف أشكال التعصب والتشدّد والإرهاب.
دور الدولة احتكار العنف كما تقول أبرز النظريات السياسية في العصر الحديث، وتحتاج الدولة في بعض الحالات إلى استعمال أقصى درجات العنف، لكن هناك شيء مؤكد في كل الأحوال: أساس مشروعية عنف الدولة هو حماية الإنسان من عنف أخيه الإنسان، بدءا من حماية الفئات الأكثر هشاشة: الأطفال، النساء، الأقليات، إلخ. عندما تفرط الدولة في حماية حقوق الفئات الهشة تفقد مشروعية احتكار العنف، ومن ثمة قد تنتهي إلى فقدان مشروعيتها أيضاً.