المجال الثقافي العربي الإسلامي

المجال الثقافي العربي الإسلامي

د. حسن إمامي – المغرب
في رؤية العنوان المطروح، ينطلق تناول مجال من المجالات، وهو هنا لن يحدد بما هو جغرافي إقليمي، نظرا لارتباطه بالجانب الثقافي. ذلك أن الثقافة لا تحدد اليوم بالاطار الجغرافي أو الطبيعي أو المحلي، بل تحدد بالخصوصيات الجامعة في السلوك   الفكري والعملي، وفي تنظيم حياة الفرد وتحديد هوية معينة له، وانتماء مادي ومعنوي.
لقد ارتبط التحديد الثقافي اليوم بتداخل العلاقات الإنسانية، وتشعبها وتسارع أحداثها، وتطور عصرها إعلاميا وتكنولوجيا وتنظيميا ومؤسساتيا…
ارتبط تحديد المجال الثقافي بتطور المجتمعات اليوم في مرحلة عولمة من صنع بشري، يريد لها حقبة جديدة، يهدف هذا الصنع والوعي فيها إلى التحكم في السياسي وتوفير المالي والاقتصادي في الاستغلال والتحصيل، وتحقيق التحكم الاستراتيجي. وطبعا يحتاج للتوظيف الثقافي، ويؤمن بالنسبي، كما يؤمن في إطار العقلنة والواقعية بالوقوع في الخطإ سواء في التقدير أو في التطبي. درجة ذكاء معاصرة يتفاعل داخلها تاريخ الإنسانية المعاصر اليوم.
هكذا يعلم الإنسان المعاصر أن المجال الثقافي هو عيش في ظل مبادئ مشتركة بين القيم الممتدة عبر التاريخ، والتي تجتر الدين والعادات والتقاليد وما تعارفت عليه الجماعات في مختلف المجالات، فاصبح مألوفا متداولا، مستمرا في الوجود والتحقق فكرة وممارسة.
إنما صعوبة تناول المجال الثقافي تشبه تداعيات الغازات في الفضاء. فهي متعرجة مع عوامل متغيرة، قد لا تضبط داخل مقدمات ونتائج معتبرة. صعوبة تحضر في تعايش مجالات ثقافية في دائرة الفرد الواحد، كما في دائرة الجماعة، ودائرة المجال المحلي والإقليمي والسياسي أو غيره.
إن المجال الثقافي كيان معنوي مسافر في كل مكان، يتجسد كالمَلَك مع كل كيان وكل لقاء وتواصل وفعل إنساني، يسري كما في الإسراء والمعراج بسرعة البرق مع وسائل الإعلام والاتصال والتواصل، فلا تدري كم كَبُرَ أو تقلص حجمه، كم أو كيف تشكل وإلى أين صار؟
يأتي الحديث إذا داخل هذه الصعوبة وهذاالامتداد، عن المجال الثقافي العربي الإسلامي، ونحن لم نقارب بعد مفهوم الثقافة المراد تناوله في تحليلنا لهذا العنوان/الموضوع، حتى يتسنى لنا الاشتغال على نسبة خصوصية مميزة لما هو عربي إسلامي. فماذا سيكون المراد بالثقافة إذا؟
ستتعدد التعريفات وجوانب التناول لمفهوم الثقافة بين الأنثروبولوجي والأكاديمي المدرسي وغيره. وستعني هنا ذلك النشاط الاجتماعي والسياسي والفكري والسلوكي الممارس عند الفرد أو الجماعة في حياتها اليومية والعلاقاتية في السياسة والاقتصاد والأسرة، في التقاليد والقيم والمبادىء والمعتقدات الموجهة للسلوك والمتحكمة فيه، في طريقة اللباس والتحية والعادة البسيطة الشخصية، كما في ارتباط هذه الطريقة بالمذهب أو الفلسفة أو الطقوس الدينية والتعبدية. تشتبك العناصر وتتعقد، لكنها تتداعى كما يتداعى الغاز في الفضاء أو الغيوم الحاملة في السماء، فتخضع لقانون الثابت والمتغير، وتحتاج للتحيين في التناول المتوازن كل حين ولحظة.
داخل هذا التعقيد الواقعي والموضوعي، سيتم الحديث عن المجال الثقافي العربي الإسلامي، وستكون شرعية تناوله مرتبطة بما هو تاريخي حضاري، وما هو سوسيولوجي وسياسي وفكري وفلسفي حاضر اليوم، وفاعل في الساحة، فكرة وحدثا، تأثيرا وتأثرا.
بالنظر إلى فعل الأثر الواقع، والنتيجة الملاحظة له، والارتباط بالموضوع، نجد حضور العربي الإسلامي في الساحة العالمية كبيرا وملفتا للنظر. وسنزيل اللبس عن المراد بالعربي الإسلامي، حتى لا نترك غصة عند من يظن به العرق أو القبيلة، أو عند من له حساب تاريخي مرتبط بالهوية المفقودة.
العربي الإسلامي، نتاج حضاري إنساني، ساهمت به جماعة بشرية تلاقحت وتفاعلت وأخصبت مكونات سوسيو ـ ميدانية متنوعة ومتشعبة، كانت فعل التاريخ الممتد عبر و منذ قرون عدة، كانت فاعلة في التاريخ، بانية لكيانات سياسية، مدبرة لحيوات اقتصادية، منتجة فكريا وعلميا وفلسفيا وفنيا، مستفيدة من تجارب الإنسانية، مساهمة في تطورها، دافعة بالتاريخ الإنساني إلى إلأمام مع الزمن والأحداث.
العربي الاسلامي، نتاج لغوي ديني مرتبط بالاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، حركة موضوعية تنظر إلى دائرة كبرى في الاشتغال، تتجاوز ضيق الافق الذي كان يحكم بعض الدوائر الصغرى داخل هذه الدائرة الكبرى. وهي حركة تاريخ، مثلما إنه اليوم مد حضاري بلغة جديدة تحتاج منا إلى إتقانها والمساهمة في بناء حضارتها التي توظفها وتحملها. وبين الخصوصي والعمومي، يختلف التناول للموضوع بين مرحلة القرون الوسطى ومرحلة العصر الحديث. فقد رَقَتْ الإنسانية اليوم إلى أفضل، بالمقارنة مع الماضي، وإن كانت المعاناة والحسرات والضحايا الجدد كُثْر.
إن التناول الصحي لموضوع حساس مثل هذا يتطلب معالجة أشكال مَرضية من التفكير التي بقيت لها عقد مع التاريخ الغابر، والتي  تريد تصريفها على الحاضر. فما نعيبه على الصهيونية العنصرية قد تسقط فيه هذه. يبقى الفرق في كون الصهيونية العنصرية تمتلك القوة والنفوذ والضغط والتنظيم والسلطة، وهذه تمتلك اليوم شرعية حرية التفكير والتعبير وممارسة الحق السياسي والثقافي دون قوة أو نفوذ. فهل ستصبح مثل الصهيونية غداً؟
إن منطلق التناول يبتعد عما هو عرقي أو قومي، ليتناول ظاهرة ممتدة إلى كل شعوب العالم، متعلقة بلغة ارتبطت بدين وبكيانات سياسية وحركة اقتصادية واجتماعية وثقافية عربية إسلامية. ارتبطت باهتمامات بالثقافة العربية الاسلامية من طرف هيئات ومؤسسات علمية وجامعية ومعاهد في مختلف دول ومدن العالم، ابتداء من القرن الخامس عشر والسادس عشر خصوصا، حتى يومنا هذا. أصبحت الثقافة العربية الإسلامية سفيرة للحضارة العربية الإسلامية، لأجل عملية التأثير والتأثر، ولأجل تفاعل مع الآخر الذي يعتبرها آخر الآخر.
هذا التفاعل أنتج ثقافة جديدة مرتبطة بالتفكير في هذا الشرق ، وهذا الإسلام، رغم ما قد يرتبط بهذا التفكير من أهداف. المهم، أن عُدة الثقافة العربية الإسلامية انتقلت إلى المطبخ العالمي لكي تنصهر مع وجباته، وتتلون بمذاقاته.
هكذا كان الرائد لهذا الانصهار هو الاستشراق بعلمائه ومؤسساته ومنتجاته. هكذا أصبح هذا الاستشراق جزءا مثيرا داخل عملية الاشتغال بالثقافة العربية الإسلامية ومجالاتها المتنوعة. فكم من مضادات للمناعة والحصانة تولدت، وكم من  أفكار تغيرت، وكم من معلومة كانت مهملة منسية، فأصبحت عملة جديدة لها قيمة متداولة ومطلوبة، كما كم من إبداع تفتق مع عملية التلقيح هذه بين فكر الآخر  وفكر الذات الثقافية العربية الإسلامية. تحضر هنا خاصية الانفتاح والانغلاق. وكما تحضر في الشخصية الفردية، تحضر في الشخصية المعنوية والاجتماعية والثقافية.  مشروع ٌ هذا الفعل، ومشروعٌ رد الفعل. فهما حركة التاريخ. إنما حركة تاريخ تبتغي التطور والتقدم إلى الأمام، بشكل صحي وسوي وواع.
إن الصدمة هي التي ولدت العالم. وإن الصدمة هي التي أخرجت الثقافة العربية الإسلامية من مشروع انغلاق وسبات كانت ذاهبة إليه، مستكينة بمهدئاته لمدة تجاوزت الأربعة قرون. كان التصادم مع العالم الأوربي والغربي الجديد، بداية رمزية مع حملة نابليون إلى مصر، وخسارة معركة المغرب مع أوربا بعدها، في القرن 19. حيث تكسر حجاب الأمان الوهمي الذي كان يحمي بلاد المغرب. بين المشرق والمغرب خضع تطور الفعل الثقافي العربي الإسلامي إلى مواكبة الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى إنتاج بضاعة احتاجت لتحديث عملة التداول في الخطاب. بين الانغلاق والانفتاح، ظهرت حركات فكرية ارتبطت بالمجالات الحياتية الأخرى، من سلفية منتصرة بالماضي، إلى قومية منطلقة من اللغة والتاريخ المشترك والثقافة المشتركة، إ لى  منبهرة ومعترفة بنموذج الغالب الغازي في استباق لحسرة الهزيمة، إلى تبني النموذج الغربي الليبرالي، إلى آخذة بعناصر تدمير الغازي من داخل منظومته ومرجعيته السوسيو ـ ثقافية، حيث كان النموذج الاشتراكي في مناهضة ظلم مشترك واستغلال مشترك بين مكونات الذات القروسطية المستبدة وعمل المستعمر المستغل.
كان لزاما أن نشير إلى حقبة تاريخية أساسية تؤسس للراهن الحاضر الذي نعيش فيه اليوم، وتساعد على تفسير أشكال الوعي القائمة اليوم، وخيوط نشأتها، لنرى دائرة التمدد للمجال الثقافي العربي الإسلامي اليوم، ودرجة انفتاحه أو انغلاقه وعوامل ذلك.
كم من فرد اليوم يمارس فعله الثقافي المعيشي أو الواعي في ارتباط مع خيوط هذا التشكل المتنوع الذي أنتجته مرحلة القرن العشرين بالخصوص.
الراهن الحاضر، حركة اجتماعية وفعل سياسي وعملية اقتصادية، وذهن في اشتغال متفاعل، في اتجاهات تلاق ومعاكَسة.
الراهن الحالي، أن دوائر المجال الثقافي العربي الإسلامي أخذت تتسع في مختلف بقاع العالم، داخل التنظيمات الدينية، تبحث عن تأقلم وتوافق بين المرجعية الثقافية العربية الإسلامية باللغة والدين والحضارة والتاريخ وتقاليد العيش والتربية والسلوك اليومي، والمرجعية السياسية والدستورية والقانونية لدائرة الدولة أو المجتمع الذي تنغرس فيه هذه الثقافة العربية الإسلامية. ربما سيكون التميز عند الأقليات في الدول المتقدمة لكي ترسل نموذج التطور بالثقافة الاجتماعية والأكاديمية الموجودة إلى داخل المجتمعات المسماة عربية ـ إسلامية.
مع العولمة الجديدة، تغيرت قياسات تحديد المجال والدائرة، وسرعة التحول والتغير داخلهما، والعوامل المنتجة للحركة والحدث والفعل داخلهما، حتى نكون على وعي واقعي وموضوعي بالمطلوب تحقيقه في جنة الأرض قبل جنة السماء.

تبقى الإشارة في الأخير الى الدور الذي تلعبه اليوم نخبة العلماء والمفكرين في إغناء الساحة الثقافية والفكرية العربية الاسلامية، وفي المنتوج الكبير الذي تساهم به في محاولة الوعي والتحكم والتغيير لواقع البلاد العربية الإسلامية، ولواقع العلاقات القائمة بين الشعوب العربية الإسلامية وغيرها من شعوب العالم.

وهنا ننتظر الحلقة التي تجعل التحول النوعي في الحياة الثقافية العربية الإسلامية، في تشكل طبقة مثقفة بلغة العصر(الانتليجنسيا)، ينتجها الوعي التاريخي المجتمعي، وتكون صاحبة قرار وضغط على الفاعل السياسي، كما على الفعل السلوكي المجتمعي العام. لكن، أنى لها ذلك ونحن لا زلنا نرى طرق استبداد متجددة، وأشكال جهل وأمية مركبة، وصراعات مذهبية متناقضة في الطرح والنتائج المتوخاة، وتكريسٍ لواقع متخلف عن الركب الحضاري حتى يبقى المستفيدون من الوضع وطبقتهم آمنين على مناصبهم وامتيازاتهم. سؤال الواقع الحاضر ينتظر الجواب في المستقبل