تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بين تعاليم الإسلام وسلوك الإرهاب

تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بين تعاليم الإسلام وسلوك الإرهاب
أ.د علي عيسى عبد الرحمن
نشأة  التنظيم وتطوره
على الرغم من أنّ المصادر شحيحة حتى الآن عن حقيقة تنظيم داعش وتستمد من وسائل الإعلام الا أنّ تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش ) والذي يسمي نفسه الآن الدولة الإسلامية  ، هو تنظيم سني مسلح يُوصف بالإرهاب يتبنى الفكر السلفي الجهادي يهدف أعضاؤه -حسب إعتقادهم- إلى إعادة “الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة”، ينتشر بشكل رئيسي في العراق وسوريا وله فروع اخرى في جنوب اليمن وليبيا وسيناء وأزواد و شمال شرق نيجيريا وباكستان. زعيم هذا التنظيم هو أبو بكر البغدادي. غير التنظيم اسمه كثيراً منذ تأسيسه عام 1999.    على النحو التالي
ظهر التنظيم لأول مرة تحت اسم جماعة التوحيد والجهاد في عام 1999 تحت قيادة أبو مصعب الزرقاوي.
وفي أكتوبر 2004، أعلن الزرقاوي البيعة لزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن وقام بتغيير اسم جماعته لـتنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين، وعُرفت باسم تنظيم القاعدة في العراق.   رغم أن التنظيم لم يدعُ نفسه بتنظيم القاعدة في العراق، إلا أن هذا الاسم ظل متداولاً بين الناس
في يناير 2006، اندمج التنظيم مع مجموعة من التنظيمات الإرهابية الأخرى وشكلوا مجلس شورى المجاهدين في العراق.
في 12 أكتوبر 2006، اندمج التنظيم مع عدة تنظيمات أخرى، وفي 13 أكتوبر تم إعلان اسمه الجديد دولة العراق الإسلامية.
في 8 أبريل 2013، توسَّع التنظيم إلى سوريا، وتبنى اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام،  وأُطلق عليه اسم داعش اختصارًا من أولى حروف اسمه  ترفض داعش هذا الاسم، وتُعاقب بالجلد كل من يستخدم هذا الاسم في المناطق التي تحتلها.
في 2014، قام مسؤولون حكوميون أمريكيون بالتحويل من استخدام ISIL اختصارًا لاسم التنظيم (من الإنجليزية: Islamic State of Iraq and the Levant) إلى استخدام DAESH كونه الاسم الأفضل نسبة لشركائهم العرب .
في 29 يونيو 2014، أعلن التنظيم تغيير اسمه مرة أخرى إلى الدولة الإسلامية فقط، معلنًا نيته إقامة “خلافة عالمية”،  انتقدت العديد من المؤسسات والجهات، والمجموعات الإسلامية اختيار هذا الاسم، ورفضت استخدامه.  يشاع الآن إطلاق اسمي داعش أو الدولة الإسلامية في العراق والشام على التنظيم.
الهيكل التنظيمي
 أولاً: الخليفة: يقوم الهيكل التنظيمي للدولة الإسلامية على أسس فقهية شرعية وضرورات حداثية؛ إذ يتولى “الخليفة” الذي يجمع شروط الولاية كالعلم الشرعي والنسب القرشي
 ثانيًا: مجلس الشورى: وهو من أهم المؤسسات التابعة للتنظيم، وعلى الرغم من التطورات التي شهدها المجلس منذ إمارة الزرقاوي مرورًا بأبي عمر البغدادي وصولاً إلى الزعيم الحالي أبي بكر البغدادي، إلا أن مؤسسة الشورى كانت حاضرة دومًا.
 ثالثًا: أهل الحل والعقد: وهو مفهوم راسخ في الفقه السياسي الإسلامي، ويضم طائفة واسعة من الأعضاء والمناصرين
 رابعًا: الهيئة الشرعية: تعتبر أحد أهم مفاصل تنظيم الدولة الإسلامية نظرًا لطبيعته الدينية، وكان أبو علي الأنباري يتولى مسؤولية الملف الأمني والشرعي، ويتولى منصب رئيس الهيئة حاليًا أبو محمد العاني، وقد كان أبو أنس الشامي أول من تولى هذا المنصب في عهد الزرقاوي وتأسيس جماعة “التوحيد والجهاد”، وفي عهد أبي عمر البغدادي تولى المنصب عثمان بن عبد الرحمن التميمي.
 خامسًا: الهيئة الإعلامية: يتمتع الإعلام بأهمية كبيرة داخل هيكلية تنظيم الدولة الإسلامية، وهو من أكثر التنظيمات الجهادية اهتمامًا بشبكة الإنترنت والمسألة الإعلامية؛ فقد أدرك منذ فترة مبكرة من تأسيسه الأهمية الاستثنائية للوسائط الاتصالية في إيصال رسالته السياسية ونشر أيديولوجيته السلفية الجهادية، فأصبح مفهوم “الجهاد الإلكتروني” أحد الأركان الرئيسية ومن أحد ابرز المؤسسات التابعة لها مؤسسة القرقان وفي تقرير لصحيفة الصندي تايمز ان خمسة شباب برتغاليين يشرفون على انتاج التنظيم لافلام الاعدام التي يتم انتاجها
 سادسًا: بيت المال: يعد تنظيم الدولة الإسلامية الأغنى في تاريخ الحركات الجهادية، وقد تفوقت على تنظيم القاعدة المركزي والفروع الإقليمية للقاعدة، فتمكن منذ عهد الزرقاوي من بناء شبكات تمويل ممتدة منذ فترة مبكرة  .
هو إبراهيم عواد إبراهيم علي البدري السامرائي وشهرته أبو بكر البغدادي  ، حين كان تلميذا في المدرسة اضطر إلى إعادة دراسة إحدى السنوات المدرسية لمرة واحدة، وتمكن بعد ذلك من تخطي الثانوية العامة عام 1991 بنتيجة 481 من أصل 600 نقطة. وقد حصل في شهادة الثانوية العامة على درجات إضافية كونه “شقيقاً لأحد الشهداء”، فقد توفي شقيقه الأصغر حين كان جنديا في الجيش العراقي في عهد صدام حسين. أما البغدادي نفسه فلم يتم قبوله لتأدية الخدمة العسكرية، لأن شهادة صحية -صادرة عن جامعته- أظهرت أن “الخليفة” الحالي يعاني من “قصر النظر” في العينين.
وبعد إنهائه التعليم المدرسي تقدم البغدادي بطلب الدراسة في جامعة بغداد. وأراد – بحسب وثائق إدارة الجامعة- دراسة القانون. وكانت رغبته الثانية والثالثة هما علم اللغات وعلم التربية. ولكن درجاته في شهادة الثانوية العامة لم تكن كافية لدخول أحد هذه الفروع الدراسية، فالتحق في نهاية المطاف بكلية الشريعة الإسلامية في بغداد: بدايةً في قسم القضاء، وفي وقت لاحق انتقل إلى تعلم الدراسات القرآنية. حصل البغدادي عام 1999 على الماجستير في تخصصه، وتمحورت أطروحته حول موضوع تلاوات القرآن الكريم، وبعد ذلك ابتدأ بالدراسات العليا بهدف الحصول على شهادة الدكتوراه. وفي عام 2003 تزوج من زوجته الأولى في محافظة الأنبار العراقية . بعد سلسلة من العمليات أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 4 أكتوبر 2011 أن أبو بكر البغدادي يعتبر إرهابيًا عالميًا. وأعلنت عن مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه أو وفاته.
أصبح قائداً لتنظيم القاعدة في العراق وُلقب بأمير دولة العراق الإسلامية، قام بإعلان الوحدة بين دولة العراق الإسلامية وجبهة نصرة أهل الشام في سوريا تحت مُسمى (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، وبعد ذلك صدر التسجيل للرد على هذا الإعلان من خلال أمير جبهة النصرة (أبو محمد الجولاني) وقد جاء بعدم تأييد هذا الإعلان.
أعلنت الدولة الإسلامية في العراق والشام بتاريخ 29 يونيو 2014 الخلافة الإسلامية ومبايعة أبي بكر البغدادي خليفة المسلمين،  وقال الناطق الرسمي باسم الدولة أبو محمد العدناني أنه تم إلغاء اسمي العراق والشام من مسمى الدولة،  وأن مقاتليها أزالوا الحدود التي وصفها بالصنم،  وأن الإسم الحالي سيُلغى ليحل بدلاً منه اسم الدولة الإسلامية فقط.
  مناطق نفوذ الدولة الإسلامية
 تنظيم الدولة الاسلامية لا يستطيع المراقب أن يجزم بدقة بتلك المساحات التي يتمدد فيها ، فشأنه في ذلك  شأن ِأن العصابات التي لا تتمسك بالارض ولاتحتفظ بشكل محدد للمناطق التي تسيطر عليها، فمادام الامر هو كر وفر فالمنطقة المسيطر عليها تخضع لواقع الكر والفر ، ولكن عموما تعتبر المحافظات السنية الست او ما يعرف بالمثلث السني هى مراكز تواجد الدولة الإسلامية في العراق.
أما سوريا تتواجد الدولة الإسلامية وتسيطر على مناطق في محافظات الرقة وحلب وريف اللاذقية ودمشق وريفها ودير الزور وحمص وحماة والحسكة وإدلب ويتفاوت،    التواجد والسيطرة العسكرية من محافظة لأخرى فمثلا لديها نفوذ قوي في محافظة الرقة وفي بعض أجزاء محافظة حلب ولديها نفوذ أقل في حمص واللاذقية.
هذه المناطق بالطبع ليست ثابتة فهي قابلة للزيادة والنقصان ، وعليه فقد قسمت داعش مناطق سيطرتها إلى عدة مناطق سميت بـ الولايات وتشمل  :
القسم السوري :
1. ولاية الرقة
2. ولاية الخير
3. ولاية حلب
4. ولاية دمشق
5. ولاية حمص
6. ولاية حماة
7. ولاية البادية
8. ولاية الفرات ( مشتركة تشمل البوكمال السورية  والقائم العراقية. القسم العراقي :
1. ولاية نينوى
2. ولاية كركوك
3. ولاية الأنبار
4. ولاية الفلوجة
5. ولاية صلاح الدين
6. ولاية شمال بغداد
7. ولاية جنوب بغداد
8. ولاية الجزيرة
9. ولاية دجلة القسم المصري :
1. ولاية سيناء
القسم الليبي :
1. ولاية برقة
2. ولاية طرابلس
3. ولاية فزان
حروب داعش
حروب داعش اتسمت بغياب الرؤية الاستراتيجية والسمة البارزة فيها هي التخبط فداعش لا تميز بين عدو وصديق محتمل ، فقد حاربت كلاً من القوات المسلحة العراقية والشرطة العراقية وقوات الصحوة العراقية وقوات البشمركة والقوات المسلحة السورية وقوات شيعية مثل عصائب أهل الحق و جيش المهدي و كتائب الامام علي و فيلق بدر و سرايا السلام وحزب الله (اللبناني) والحرس الثوري الإيراني وحزب العمال الكردستاني (البي كي كي) والجيش الحر ووحدات حماية الشعب الكردية (وحش) والجبهة الإسلامية .
لقد اتسمت حروبها بالوحشية وغياب البعد الانساني واستخدام أبشع الأساليب في ازهاق أرواح الخصم مما أفقدها حتى الأنصار المحتملين وجعلها في نظر كثير من المسلمين جماعة بعيدة عن تعاليم الدين وأداة تشويه للدين الاسلامي .
المنطلقات الفكرية لجماعة الدولة الإسلامية “داعش”:
يتبنى تنظيم الدولة الاسلامية منطلقات فكرية تخالف التعاليم الإسلامية ، فقد أصدر مركز مركز المسبار للدراسات والبحوث الكتاب “الثاني والتسعين” الذى خصصه لمناقشة موضوع تنظيم داعش فكراً ونهجاً، بالمقارنة مع التنظيمات المتشددة الأخرى.
يبحث الكتاب الذي حمل عنوان: (“داعش: الأفكار، التمويل، الإخوان”) في المعالم الفكرية لداعش ، وكذلك نفوذه وإمتداده في منطقة المغرب العربي وصولاً إلى الأردن وفلسطين ولبنان. كما يكشف عن مصادر تمويل “داعش” وأبرز رموزه وخفايا التنظيم الأخرى.
تنطلق جماعة الدولة الاسلامية (داعش ) من منطلقات فكرية تخالف الاسلام شكلاً ومضموناً فقد أجازت لنفسها استباحة وقتل كل من يخالفها ويستوي في ذلك المسلم وغير المسلم من الملل والنحل الأخري ، يقول الباحث المصري المختص في الحركات الإسلامية ماهر فرغلي في دراسته التي قدمها ضمن كتاب مركز المسبار والتي جاءت تحت عنوان (المعالم الفكرية لجماعة الدولة الاسلامية ــــــ داعش ـــ ) .( المنطلقات الفكرية التي تتبناها جماعة الدولة الإسلامية في العراق والشام، هي منطلقات تنظيم القاعدة والجماعات الشريكة والحليفة لها من السلفية الجهادية، حتى جعلت بذل البيعة لها حقاً مسلماً به، وباتت تستبيح قتل مخالفيها، مثلما فعلت بمن وقع بيدها من جبهة النصرة وغيرها من التنظيمات المسلحة ) .
وقد تناول فرغلي المصادر المعرفية التي تستقي منها داعش معارفها في تنظيم الدولة والمتمثلة في كتابي “ملة إبراهيم” “ومسائل المهاجر” .. الإتفاق والإفتراق
الكتاب الأول “ملة إبراهيم” لعصام طاهر البرقاوى العتيبي أو كما يلقب بأبي محمد المقدسي، وهو أردني من أصل فلسطيني، ومن أبراز منظرى ما يسمى “السلفية الجهادية” وقد ذكر فيه مرتكزات فكرية عدة هي: الأولوية لدعوة الناس إلى التوحيد والتركيز على نواقص التوحيد المعاصرة، وقضية الولاء والبراء والجهاد.
أما كتاب “مسائل في فقه الجهاد” فيغوص مؤلفه المصري أبو عبدالرحمن العلي، المشهور في الأواسط الجهادية بأبي عبدالله المهاجر، في 20 مسألة تختص بمسائل الجهادية، يعرض فيها المؤلف منها في كل من فقه الحنابلة وفقه المالكية، ثم يتبعها ب”إجماع العلماء”، ليخلص إلى استنتاج يكون قاعدة يبنى عليها الحكم الواجب اتباعه ويدور حديثه حول دور الحرب.
يقسم العالم إلى قسمين: دار إسلام، ودار كُفرٍ وحرب، الاولى هي التي يطبق فيها حكم الشريعة الإسلامية، وهي الفكرة ذاتها التي يقوم عليها “ملة إبراهيم”.
المقدسي، يقطع بأن جميع حكام العرب طواغيت، ويجب مقاومتهم لانهم لايظهرون الرضا عن الإسلام أو يهادنونه ويقيمون له المؤتمرات وينشرونه في الكتب والمجلات ويؤسسون له المعاهد والجامعات.
وفي تفاصيل القراءة، يقول “فرغلي” في تباين الاتفاق والافتراق بين هذين الكتابين الذين يعتبران مرجع للتيار الجهادي التكفيري، ويخلص إلى انهما يتفقان في الأساسيات، ويفترقان في التفاصيل.
موقف الإسلام من المنطلقات الفكرية والسلوكية لتنظيم الدولة
دعوة التنظيم الى الاكراه في اعتناق الاسلام
إن من أوضح النصوص القرآنية دلالة على حرية الاعتقاد في الإسلام ، قوله تعالى لرسوله عليه السلام { وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا}  (  ) . فها هو القرآن يأمر الابن المسلم بمصاحبة الوالدين الكافرين بإحسان { وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفاً } ( ) . قال النسفي (أي صحاب معروفاً حسناً بخلق جميل وحلم واحتمال وبر وصلة)( ). يقول تعالى حسماً لهذا الموضوع وليظهر أن الإنسانية رابطة واحدة وتكريم ابن آدم بوصفه إنساناً فقط{ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } ( ) .يقول المصري (يؤكد المولى عز وجل هنا أن مسألة الايمان إنما هي وفق المشيئة الالهية لذلك ينبغي أن لا ترتبط بسائر الأمور الإنسانية الأخرى) ( ) .
هكذا يعطي الإسلام حرية الاعتقاد لمن أراد اعتناقه دون أن يجبر أحداً ، قال تعالى : { هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ ٱلْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً } ( )  إن صاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم كان حريصاً كل الحرص على إسلام قومه وقد بذل من ذلك الجهد رغبة في أن يقبلوا الإسلام .  قال تعالى : { طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ } ( ) . قال صاحب الكشاف (أي ما عليك إلا أن تبلغ وتذكر ولم يكتب عليك أن يؤمنوا لا محالة بعد إن تفرط في أداء الرسالة والموعظة الحسنة) ( ) .
لقد رعى الإسلام حق الرعاية حرية التفكير لا سيما في حثه على التمحص في الدين نفس.
ولما كان هدي الإسلام هو الإشارة إلى مواطن الخلل والقصور في النهج غير الإسلامي فهو بذلك إنما يمهد السبيل إلى حرية العقيدة وذلك بعد بيان الحق وتفنيد الباطل (الإسلام دين سمح يشجع على الحرية في التفكير والحرية في ابداء الرأي ويدعو إلى تبادل المودة والتراحم بين بني البشر)( ).
  إن المولى عز وجل قد حسم مسألة الإيمان في الأزل وجعل الرابطة الإنسانية العامة محوراً يمكن أن تدور حوله العلاقات الإنسانية بغض النظر عن المعتقد وذلك في قوله تعالى : { وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } ( ) . وها هو الاعتراف العالمي بكفاية القانون الإسلامي لحاجات البشر وثروته الشرعية في قرار المؤتمر الدولي للقانون المقارن المنعقد في باريس في 7 يوليو سنة 1951م) وهذا نصه (إن المؤتمرين وقد أبدوا الاهتمام بالمشاكل المثارة أثناء أسبوع القانون الإسلامي وما جرى في شأنه من مناقشات أوضحت بجلاء ما لمبادئ القانون الإسلامي من قيمة لا تقبل الجدال كما أوضح أن تعدد المدارس والمذاهب داخل هذا النظام القانوني الكبير إنما يدل على ثروة من النظريات القانونية والفن البديع فكل هذا يُمكن لهذا القانون من تلبية جميع حاجيات الحياة العصرية) ( ) .
كيف كان الرسول يعامل المنافقين ؟
لقد كانت أفعال المنافقين جديرة بأن ينتقم منهم المسلمون فكانوا يشيعون روح التخاذل ويكذبون وعد الله ورسوله قال تعالى: { وَإِذْ يَقُولُ ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً } ( ) . إن التخذيل في مثل هذه المواقف الحاسمة له أثر عظيم فهم لا يكتفون بالتشكيك بل يحرضون الناس على الانسلاخ من قوات الدعوة وينصحونهم بالعودة إلى المدينة ويقولون { وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } ( ) . ويبدأون بتنفيذ مؤامراتهم فيستأذنون النبي في الرجوع إلى المدنية من ميدان القتال بدعوى حماية أموالهم وأسرهم من اللصوص { وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَٱرْجِعُواْ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً } ( ) .  فماذا صنع  الرسول ازاء ذلك كله ؟ لم يأمر بالملاحقة وتقتيلهم ولم يستبح أعراضهم وممتلكاتهم بل كانت معاملة الرسول لهم معاملة كريمة .
  تحدثت سورة التوبة سورة الأحزاب عن المنافقين  ففي اظهار الشماتة بصاحب الدعوة والذين معه واجه القرآن هذه الجريمة مواجهة الناصح الأمين { إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ } ( ) .
وفي طعنهم على تصرف صاحب الدعوة في توزيع الصدقات كان رد القرآن عليهم : { وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤْتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَاغِبُونَ } (  وحين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولهم (هو أذن) أي يصدق كل ما يسمع لغفلته وعدم فطنته كان الرد عليهم { وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ( ) .  وحين فرحوا بتخلفهم عن الجهاد في تبوك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله  جاء الرد عليهم قال تعالى : { فَرِحَ ٱلْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوۤاْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي ٱلْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } ( )  يقول صاحبة كتاب سماحة الاسلام (في هدوء تصدي القرآن لافتراءات المنافقين وهتك أستار نفوسهم وعراهم أمام الرأي العام ولكن لم يصادر حرياتهم ولم يسلب أمنهم ولم يضيق عليهم في حل ولا ترحال بل إن القرآن الكريم ليذهب في السماحة إلى أبعد من ذلك فتراه في موضع آخر يفتح أمامهم باب التوبة ويرغبهم فيها لينسوا ما ضيهم ويقبلوا على عهد جديد يبدل الله فيه سيئاتهم حسنات( )  .
منهج الإسلام في التعامل مع أهل الكتاب :
حرصاً من الإسلام على أن تسير الحياة سلسة بين الأقليات غير المسلمة فقد جاء في تشريعاته المحكمة ضرورة ازالة الحواجز معهم ، يقول الله تعالى عن أهل الكتاب وحسن الصلة بهم { ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَاتِ وَٱلْمُحْصَنَاتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِيۤ أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ } ( ) . حيث أحل الله في هذه الآية طعامهم للمسلمين وجوز لهم طعام الذين اوتوا الكتاب وفي المقابل طعام المسلمين لأهل الكتاب كما جعل الزواج منهم جائزاً . وليس هناك علاقة أقوى من الزواج ولا أسمى{ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } ( ). فعلاقة الزواج والمصاهرة هي من أمتن الروابط التي تجمع بين الزوجين من ناحية وبين الأسر المتصاهرة ليصبح الإسلام بذلك نموذجاً إنسانياً لاندياح الوشائج الإنسانية ، وأمرنا بالتسامح معهم حتى في الجدال : { وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ وَقُولُوۤاْ آمَنَّا بِٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَـٰهُنَا وَإِلَـٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } ( ) .
ان الإسلام وهو يرسم المنهج الحضاري لتعامله مع أهل الكتاب فهو يأمرنا بأن لا نجادلهم إلا بالتي هي أحسن ، وها هو الأمر الالهي بالعدل  عموماً وحسن الصلة قال تعالى      { لاَّ يَنْهَاكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوۤاْ إِلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُقْسِطِينَ } ( ) . جاء في تفسير هذه الآية: (لا ينهاكم الله عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم وهم خزاعة وتعطوهم من أموالكم على وجه الصلة وليس يريد به العدل فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل قاله ابن العربي) ( ) .
وعن حكم الأقليات في المجتمع يقول الامام الشهيد حسن البنا مرشد الأخوان المسلمين الأول (يظن الناس أن التمسك بالإسلام وجعله أساساً لنظام حياة ينافي وجود أقليات غير مسلمة في الأمة المسلمة وينافي الوحدة بين عناصر الأمة وهي دعامة قوية من دعائم النهوض في هذا العصر ولكن الحق غير ذلك بالمرة فإن الإسلام قد احتاط لتلك العقبة فلم يصدر دستوره المقدس الحكيم إلا وقد اشتمل على النص الصريح الواضح الذي لا يحتمل لبساً ولا غموضاً في حماية الأقليات (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) فهذا النص لا يشتمل على الحماية فقط بل أوصى بالبر والاحسان) ( ) .
بهذا التشريع الحكيم يضع الإسلام الأصول الإنسانية مع غير المسلمين من الأقليات التي تستوطن ديار المسلمين ،
أدلة العفو والصفح العام عن أهل الكتاب وغير المسلمين تتمثل في قوله      تعالى : { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ( ) . فمن ظاهر نص الآية وعلى الرغم من حرص أهل الكتاب على عداوة المسلمين إلا أن القرآن يدعو إلى الصفح والتجاوز ، قال تعالى : { لَتُبْلَوُنَّ فِيۤ أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوۤاْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ } ( ) .
شواهد تاريخية على إنسانية الإسلام مع أهل الكتاب
ان وشائج التوحيد التى تجمع بين ديانة الرسول الخاتم وديانة أهل الكتب الأخرى هى التى تجعل من الديانة السماوية جميعها عقائد متقاربة متفاهمة هذا في المرحلة المكية . يقول الكاساني :(وتتجلى السماحة الإسلامية في معاملة الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل الكتاب ـ يهود كانوا أو نصارى ـ فقد كان يزورهم ويكرمهم ويحسن إليهم ويعود مرضاهم ويأخذ منهم ويعطيهم)( ). كذلك ورد في الأثر عن أصحاب الرسول عليهم السلام كانوا يعاملون أهل الذمة معالمة حسنة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أوصى في آخر أيام حياته بأهل الذمة فقال : (أوصي الخليفة من بعدي بأهل الذمة خيراً أن يوفي بعهدهم وأن يقاتل من ورائهم وأن لا يكلفهم فوق طاقتهم) ( ) . وجاء في العهد الذي أعطاه عمر بن الخطاب لأهل القدس (أعطاهم الأمان لأنفسهم وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها : انه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها ولا من صليبهم ولا من شئ من أموالهم ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بايلياء معهم أحد من اليهود) ( ) .
لقد نص الفقهاء المسلمون على اعتبار أهل الذمة من دار الإسلام بحكم دفعهم للجزية يقول الكاساني (والفقهاء المسلمون نصوا على أن أهل الذمة يعتبرون من دار الإسلام لأن المسلمين حين أعطوهم الذمة فقد التزموا رفع الظلم عنهم والمحافظة عليهم .. وعلى ذلك فلأهل الذمة حق الاقامة في دار الإسلام آمنين مطمئنين على دمائهم وأموالهم وأعراضهم وعلى الإمام حمايتهم من كل من أراد بهم سوء ومنع من يقصدهم بالأذى من المسلمين أو الكفار واستنقاذ من أسر منهم واسترجاع ما أخذ من أموالهم) ( )
وقد رسم دستور المدينة الذي وضعه الرسول عليه السلام أنموذجاً لتعاليم المسلمين مع أهل الكتاب من اليهود (وان اليهود أمة مع المؤمنين ، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم .. وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين وان بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة) ( ) . لقد ذهب بعض المفكرين المسلمين إلى حد مشاركة أهل الكتاب وغير المسلمين في الدولة المسلمة في الحكم إذا وافقوا على الدستور الإسلامي وكان ولاؤهم للفكر الإسلامي مع بقائهم على معتقداتهم الدينية الخاصة يقول محمد كاظم (فاذا رضوا بمبادئ الإسلام وقبلوها يفتح لهم باب الدخول في الجماعة الحاكمة فلو رضي غير المسلمين بحاكمية الشريعة الإسلامية لا نتقي مبرر التمييز في الجماعة الحاكمة بينهم وبين المسلمين) ( ) .
ويذهب المودودي إلى أكثر من ذلك وهو يتحدث عن الأقليات غير المسلمة في البلاد الإسلامية حيث يرى أن الوحدة الإنسانية التي تربطهم مع المسلمين تجعلهم جديرين بالاشتراك في المجالس البلدية والمحلية(إن بيننا وبين الأقوام غير المسلمين وحدة الإنسانية ولهم أن يشتركوا مع المسلمين في المجالس البلدية والمحلية ويخضع الجميع للقوانين الجنائية والمدنية والإدارية الواحدة)( ). لذلك حتى الجزية التي كان يدفعها أهل الذمة عوضاً عن مشاركتهم في الحرب مع المسلمين فقد كانت تسقط عند اشتراكهم في الحرب . حدث ذلك في أرمينيا ونصت عليه معاهدة القائد المسلم سراقة بن عمر ـ عامل عمر بن الخطاب مع أهل أرمينيا إذ جاء فيها (على أن يوضع ( يسقط)  الجزاء (الجزية) عمن أجاب إلى ذلك الحشر (الحشد للقتال) والحشر عوض من جزائهم (جزيتهم) ، ومن استغنى عنه منهم وقعد فعليه مثل ما على أهل أذربيجان من الجزاء (الجزية) ( ) . (كذلك نجد نصارى حمص عندما حاربوا في صفوف أبو عبيدة عامر بن الجراح في موقعة اليرموك ضد الروم البيزنطيين) ( ) .
كل النماذج السابقة تؤكد أن تعاليم الإسلام قائمة على قيم الرحمة والعطف والتعامل الكريم مع غير المسلمين عوضاً عن المسلمين ، فاذبح والحرق والقتل للمخالفين بما فيهم المسلمون ليس من الإسلام في شئ.
داعش ومصادر التمويل :
“داعش معضلة التمويل وخفاياه” عنوان ورقة الباحث السعودي محمد العمر يرى فيها أن تنظيم “داعش” من أغنى التنظيمات الإرهابية في العالم خصوصاً بعد سيطرةته على مدينة الموصل، فقد أستولى مقاتلو الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” على أكثر من 420 مليون دولار امريكي من البنك المركزي في مدينة الموصل بشمال العراق. صارت داعش تمتلك الآن نحو ملياري دولار يمكنها إستخدامها فيما تسميه “الجهاد”.
كما يعد النفط ثانى أهم مصدر تمويل “داعش” بعد أن استولت على حقول النفط في شمال سوريا، وتقوم بنقل النفط عبر الحدود إلى شمال تركيا. في الوقت نفسه صارت داعش في وضع يمكنها من تمويل نفسها بشكل مستقل.
ولتنظيم “داعش” مصادر تمويل أخرى، منها: الاسواق السوداء، وإستخبارات بعض الدول وفرض الضرائب على رجال أعمال الموصل بالعراق، إضافة إلى تمويل المتعاطفين معها من عموم الناس في الوطن العربي، كما أن أكبر دعم ياتي “داعش” هو من الأسواق السوداء عن طريق تجارة المخدرات وتهريب الأسلحة والخطف والابتزاز.
كما تتضمن الورقة أيضاً، بالإعتماد على التقارير الصحفية والدراسات ذات الصلة، رصداً لأبراز الرموز المالية لداعش وطرق ووسائل إجراء الحوالات المالية للتنظيم .
مستقبل تنظيم الدولة الإسلامية :
في 29 يونيو 2014، أعلن التنظيم تغيير اسمه ليصبح الدولة الإسلامية، معلنًا نيته إقامة “خلافة عالمية”،  وماهو جدير بالملاحظة أنً نشوة الانتصار هي التي حملت التنظيم الى تغيير استراتيجيته وتبني الاسم الجديد والذي يعني المزيد من التمدد وكسب الأنصار وبالطبع دون ادراك لتبعات هذا الطموح والذي تجلت نتائجه عقب الاجتياح الكبير للأراضي العراقية للتنظيم مما استدعى معه قيام التحالف الدولي لمواجهة التنظيم والذي انتظمت فيه أكثر من ستين دولة .
ان غياب البوصلة أيضاً لدى التنظيم جعله يتخبط في التعامل مع الجميع بحيث أصبحت الجماعات الاسلامية المقاتلة الأخرى بالعراق والشام هي ألدّ أعدائه بالاضافة الى الجماعات العلمانية بسوريا مما جعله يقاتل في جميع الجبهات بدءً بالقوات المسلحة السورية وانتهاء بالتحالف الدولي ، فلا صديق له في الميدان ، وهذا مايعكس الحماس غير المدروس النابع من عدم النضج الاستراتيجي الذي يزين امكانية قيام دولة على جماجم الآخرين وبلا تأييد دولي
مهما يكن من أمر فان تنظيم داعش يعتبر نتيجة من نتائج الحرب الباردة والتي شهدت في بعض أطرافها مواجهة الاسلام مع الشيوعية وبتشجيع من الغرب الصليبي وحضانة الدول الاسلامية ،لينقلب السحر على الساحر فيدفع الغرب والدول الاسلامية ثمن رعاية التنظيمات المسلحة والتي ترعرعت أصلاً بأفغانستان وهي تواجه التمدد الشيوعي الذي بدأ يدب في أوصال الأمة الإسلامية . تنظيم الدولة الاسلامية وغيره من المنظمات المتطرفة الأخرى ومهما كانت عوامل ظهورها سواء كانت عوامل داخلية أو خارجية ، الا انها منظمات تشوه  الإسلام وتسئ اليه ، فقد كانت فرصة لأعداء الإسلام للتهكم والسخرية من الاسلام ، ووصفه بالإرهاب ، ومحاصرة مظاهره أينما وجدت .
أما على صعيد مستقبل الدولة الاسلامية فهي عبارة فقاعة ضخمة ، روًجت لها أجهزة المخابرات الغربية والاعلام العالمي وتظل طموحاتها في اقامة خلافة اسلامية مجرد أوهام وترهات وكل ما تستطيع فعله هو قتل مزيد من المسلمين وتشويه الاسلام الى أن ينتهي أجلهاالمحتوم لتضاف الى سجل من شوّه الإسلام .